السيد الطباطبائي
79
تفسير الميزان
فأولئك يوفون أجرهم ، والدليل على ذلك قوله : " بعده ولا يظلمون شيئا " فإنه من لوازم توفية الاجر لا من لوازم دخول الجنة . قوله تعالى : " جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا " العدن الإقامة ففي تسميتها به إشارة إلى خلودها لداخليها والوعد بالغيب هو الوعد بما ليس تحت إدراك الموعود له ، وكون الوعد مأتيا عدم تخلفه ، قال في المجمع : والمفعول هنا بمعنى الفاعل لان ما أتيته فقد أتاك وما أتاك فقد أتيته يقال : أتيت خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة ، وقيل : إن الموعود الجنة والجنة يأتيها المؤمنون انتهى . قوله تعالى : " لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " عدم سمع اللغو من أخص صفات الجنة وقد ذكره الله سبحانه وامتن به في مواضع من كلامه وسنفصل القول فيه إن شاء الله في موضع يناسبه ، واستثناء السلام منه استثناء منفصل ، والسلام قريب المعنى من الامن - وقد تقدم الفرق بينهما - فقولك : أنت مني في أمن معناه لا تلقى مني ما يسؤك وقولك : سلام مني عليك معناه كل ما تلقاه مني لا يسؤك . وإنما يسمعون السلام من الملائكة ومن رفقائهم في الجنة ، قال تعالى حكاية عن الملائكة : " سلام عليكم طبتم " الزمر : 73 ، وقال : " فسلام لك من أصحاب اليمين " الواقعة : 91 . وقوله : " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " الظاهر أن إتيان الرزق بكرة وعشيا كناية عن تواليه من غير انقطاع . قوله تعالى : " تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا " الإرث والوراثة هو أن ينتقل مال أو ما يشبهه من شخص إلى آخر بعد ترك الأول له بموت أو جلاء أو نحوهما ، وإذ كانت الجنة في معرض العطاء لكل إنسان بحسب الوعد الإلهي المشروط بالايمان والعمل الصالح فاختصاص المتقين بها بعد حرمان غيرهم عنها بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات وراثة المتقين ، ونظير هذه العناية ما في قوله تعالى : " أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " الأنبياء : 105 ، وقوله : " وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين " الزمر : 74 ، والآية - كما ترى - جمعت بين الايراث والاجر .